سيد محمد طنطاوي
29
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
و * ( سِيئَتْ ) * فعل مبنى للمجهول . وأسند - سبحانه - حصول السوء إلى الوجوه ، لتضمينه معنى كلحت وقبحت واسودت ، لأن الخوف من العذاب قد ظهرت آثاره على وجوههم . وقال - سبحانه - * ( سِيئَتْ وُجُوه الَّذِينَ كَفَرُوا ) * بالإظهار ، ولم يقل وجوههم ، لذمهم بصفة الكفر ، التي كانت السبب في هلاكهم . ومفعول * ( تَدَّعُونَ ) * محذوف . والتقدير : وقيل لهم هذا الذي كنتم تدعون عدم وقوعه . قد وقع ، وها أنتم تشاهدونه أمام أعينكم . والجار والمجرور في قوله * ( بِه ) * متعلق بتدعون لأنه مضمن معنى تكذبون . والقائل لهم هذا القول : هم خزنة النار ، على سبيل التبكيت لهم . ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم للمرة الرابعة ، أن يرد على ما كانوا يتمنونه بالنسبة له ولأصحابه فقال : * ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّه ومَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا ، فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) * . ولقد كان المشركون يتمنون هلاك النبي صلى اللَّه عليه وسلم وكانوا يرددون ذلك في مجالسهم ، وقد حكى القرآن عنهم ذلك في آيات منها قوله - تعالى - : أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِه رَيْبَ الْمَنُونِ . أي : قل لهم - أيها الرسول الكريم - * ( أَرَأَيْتُمْ ) * أي : أخبروني * ( إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّه ) * . - تعالى - وأهلك * ( مَنْ مَعِيَ ) * من أصحابي وأتباعى * ( أَوْ رَحِمَنا ) * بفضله وإحسانه بأن رزقنا الحياة الطويلة ، ورزقنا النصر عليكم . فأخبروني في تلك الحالة * ( فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) * أي : من يستطيع أن يمنع عنكم عذاب اللَّه الأليم ، إذا أراد أن ينزله بكم ؟ مما لا شك فيه أنه لن يستطيع أحد أن يمنع ذلك عنكم . قال صاحب الكشاف : كان كفار مكة يدعون على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك ، فأمر بأن يقول لهم : نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين : إما أن نهلك كما تتمنون ، فننقلب إلى الجنة ، أو نرحم بالنصرة عليكم ، أما أنتم فماذا تصنعون ؟ من يجيركم - وأنتم كافرون - من عذاب أليم لا مفر لكم منه .